أنت تستخدم إصدار مستعرض قديمًا. الرجاء استخدام إصدار معتمد للحصول على أفضل تجربة MSN.

خبير جزائري: الجزائريون يحبسون أنفاسهم خشية انفجار كبير

شعار dw.com dw.com 10/04/2014 أجرى الحوار منصف السليمي
© 2014 DW.DE, Deutsche Welle

تجدد أعمال العنف في مدينة غرداية جنوب الجزائر والاحتجاجات العنيفة على حملة الرئيس بوتفليقة المرشح لولاية رابعة، يرى فيها الخبير الجزائري محمد هناد، مؤشرا سلبيا ونُذر "انفجار كبير" في البلاد عشية انتخابات مثيرة للجدل.

قبل أسبوع من موعد الانتخابات الرئاسية، تشهد الجزائر حالة من التوتر ظهرت ملامحها في تجدد الاشتباكات وأعمال العنف في مدينة غرداية جنوب البلاد، وفي احتجاجات اكتست طابعا عنيفا، ضد حملة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المرشح لتولي ولاية رئاسية رابعة، رغم مرضه.

DWعربية حاورت الخبير الجزائري الدكتور محمد هناد أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، فذهب إلى أن حالة انسداد الآفاق والشعور بالإحباط لدى فئات واسعة من الشباب والشعور السائد بأن الرئيس "المريض جدا" يتم فرضه بالقوة لولاية رابعة، تدفع بعدد من المراقبين لأوضاع الجزائر لتوقع "انفجار كبير" يوم الثامن عشر من أبريل أي اليوم الذي يلي الاقتراع.

وفيما يلي نص الحوار:

DWعربية سجلت أعمال عنف واعتداءات في مناطق عديدة من الجزائر على حملة المرشح الرئيس بوتفليقة، ما دلالات ذلك؟

الدكتور محمد هناد: أولا يتعين ان نتوقف ونتساءل بداية لماذا تقتصر هذه الاعتداءات على استهداف حملة بوتفليقة دون غيره من المرشحين. نلاحظ بداية انه عنف انتقائي، وفي هذه الحالة، قد يكون رد فعل على عنف آخر. يتعلق الأمر بعنف يأخذ شكل فرض مرشح بالقوة على الشعب للمرة الرابعة، وهو مرشح مريض، وتُسخر كل وسائل الدولة لحملته، كما أن الوزراء وبدل أن يقوموا بوظائفهم، فهم ينخرطون في الحملة الانتخابية على نطاق واسع داخل البلاد وحتى خارجها.

بالإضافة إلى بعض التصرفات التي قام بها مدير حملة بوتفليقة، أي رئيس الوزراء المستقيل، عبد المالك السلال، وكذلك وزير الصناعة، والتي أثارت غضبا شعبيا. هذه العوامل تساهم في إثارة ردود فعل عنيفة وخصوصا منطقة القبائل. لكن هذا لا يعني أن العنف شيء مقبول، بل يتعين فهم مسبباته وتفهمه حتى ولو كنا ننبذه.

إلى أي حد تحمل هذه الأحداث مؤشرات على توتر اجتماعي وسياسي قد يستمر بعد الانتخابات، خصوصا في حال فوز بوتفليقة؟

من يراقب أوضاع الجزائر عن قرب، يدرك إلى أي حد هنالك حالة ترقب وقلق. كثيرون- وأنا منهم- يتوقعون بأن يكون تاريخ 18 ابريل /نيسان أي اليوم الذي سيعقب الانتخابات، يوم الانفجار الكبير. بعضهم يطلق عليه 11 سبتمبر(أيلول) جزائرية. بسبب أجواء الترقب القصوى والخوف من احتمال قيام أعمال عنف، لأنه لا أحد يتوقع أن يكون الفائز غير الرئيس الحالي. وهذا سيكرس شعور الناس بأنه مفروض عليهم وأن الشعب لا حول ولا قوة له، خصوصا أن مؤيدي الرئيس بوتفليقة بحكم توفرهم على إمكانيات الجهاز التنفيذي للدولة استخدموا كل وسائل الدولة من أجل الوصول إلى هذا الغرض. كل هذا سيساهم في خلق شعور بإحباط كبير وحُقرة (شعور بالمهانة)، وربما ينتج عنه عنف قد يكون بحجم كبير.

لكن لاشك أن هنالك قطاعا، وربما ليس بالقليل، من الجزائريين الذين يرون في بوتفليقة الرجل الذي ساعد على إخراج البلاد من مرحلة العنف التي تسمى في الجزائر بـ"العشرية السوداء"، وبالتالي فهم يؤيدون إعادة انتخابه. وعندما يُقال إنه مرشح مفروض، لماذا لا تصوت الأغلبية ضده، إذا كانت لا تريده؟

هذا المنطق سليم جدا. لكن لا ينطبق على واقع الجزائر وأوضاعها. هذا الرجل مريض جدا. وحتى لو حقق انجازات، فماذا سيكون مصير البلاد، إذا توفي فجأة؟ لماذا نرهن مستقبل البلاد برجل مريض جدا.

الجزائريون يريدون أن يشعروا بالملموس أن هنالك تداولا على السلطة وليس استبدادا بها. لقد بات من المسلم به لدى قطاعات الشعب العريضة أن نظام الرئيس بوتفليقة يتسم باستشراء الفساد على نطاق واسع. وكل هذه المعطيات تجعل ترشح الرئيس بوتفليقة لا يمكن النظر إليه على أنه ترشح شخص عادي، بقدر ما هو ترشح مفروض بالقوة والتسلط.

تعهدت حركة "بركات" الاحتجاجية بأن تواصل احتجاجاتها بعد الانتخابات، فهل إن الجزائر التي نأت بنفسها عن الربيع العربي، مقبلة على ربيع جزائري صعب؟

ينبغي ان نلاحظ بداية أن نشاط حركة "بركات" لم يستطع تعبئة قطاعات واسعة لحد الآن. ولكن بموازاة "بركات" هنالك عدة مجموعات سياسية واجتماعية تقوم باحتجاجات شعارها الاعتراض على "العهدة الرابعة" لبوتفليقة، وإذا بقيت الأمور في إطار سلمي فلا خوف في هذه الحالة، لكن الخشية ان تتجاوز الأمور حركة"بركات" وتفقد المبادرة، بسبب ما يُخشى أن يكون رد فعل عنيف أو انفجار كبير في الشارع.

ما هي مصادر هذا"الانفجار" الذي يخشاه كثيرون، هل هي عفوية الشارع، الشباب المحبط، ، الإسلاميون، فئات غير مندمجة سياسيا؟ أين يكمن تحديدا المصدر المحتمل؟

هي كل هذه المصادر مجتمعة، وعنوانها كل الناقمين على النظام السياسي، بما فيها بعض القوى من داخل النظام نفسه. اعتقد أن بعض الأجنحة داخل النظام قد تساهم في إثارة الانفجار. ردود الفعل العفوية في الشارع هذا جانب ، ولكن ليست هي كل شيء.

وما موقع الإسلاميين في هذا السياق، وخصوصا الجماعات الإسلامية غير المندمجة في العملية السياسية؟

ينبغي ان نسجل بداية بأن ما يسمى بالمطالب الإسلامية أو التذرع بالإسلام (Islamic Clue) لم يعد له وجود مهيمن في الجزائر. إذ أن وجوه الإسلام السياسي، بمن فيهم علي بلحاج الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ الإسلامية (المنحلة)، لم يعودوا يتكلمون بصفتهم الإسلامية بل من منطلق المطالبة بحقوق مدنية وسياسية.

ولماذا زالت الصبغة الإسلامية لحركات الاحتجاج في الجزائر، هل يحدث ذلك بسبب خوف الجزائريين من ارتباطها بعشرية العنف السوداء، التي أعقبت إلغاء الانتخابات التشريعية التي فازت فيها جبهة الإنقاذ الإسلامية سنة 1992؟

أولا بسبب تجربة الجزائر مع أحداث العنف. وثانيا، بحكم تطور الأفكار والنظرة للفصل بين السياسة والدين. ويمكن القول إن هنالك علمنة للفكر الإسلامي والتيارات الإسلامية التي باتت تتسم بالواقعية أكثر في تفكيرها.

تشهد بعض مناطق جنوب الجزائر اضطرابات وخصوصا غرداية، ما هي قراءتك لتلك الأحداث هل هي معزولة أم ظاهرة تتسع في الجزائر؟

تبدو لي أحداث غرداية ليست معزولة، وهي تتكرر منذ سنة تقريبا. وتكرار مثل تلك الأحداث له تفسيرات مختلفة، فأما هو نتيجة لتوظيف سياسي من قبل بعض الأطراف سواء من داخل النظام أو من خارجه. أو أن هنالك مشكلا لم تتم معالجته لحد الآن، ولم يعد ممكن تجاوز الأمور دون حله.

هنالك تفسيرات طائفية لأحداث غرداية، مثل القول بأنه صراع بين العرب والمزابيين( المزابيون وهم أمازيغ يتبعون المذهب الأباظي). لكن العرب والأباظيين تعايشوا منذ قرون، فلماذا وقع المشكل فقط منذ سنة؟

أنا أميل لتحليل تلك الأحداث من منطلق بسيط، وهو أن المزابيين فئة ناجحة في حياتها الاقتصادية والتجارية ومنظمة اجتماعيا بشكل محكم، بينما تتسم أوضاع العرب في المدينة بظروف البطالة والفقر والفوضى وتفشي الجريمة، وهو ما يثير اصطداما لأسباب اقتصادية اجتماعية، وليس لأسباب دينية.

وهنالك تفسير انثروبولوجي، يرجع الصراع إلى أن المزابيين سكان أصليون مستقرون في المدينة، بينما كان العرب عبر التاريخ قبائل رحل وعندما استوطنوا في غرداية لم يحدث اندماج حقيقي بينهم وبين سكان المدينة الأصليين(المزابيين)، مما أدى مع مرور الزمن إلى احتكاك وصراع بين الفئتين.

وإضافة إلى هذه الأبعاد، هنالك عنصر فشل النظام السياسي في إدارة المشاكل والصراعات بين التشكيلات الاجتماعية، وترك الأمور على حالها سائبة وتتراكم إلى أن انفجرت، ولم يعد بالإمكان التحكم فيها.

في سياق الانتخابات المقبلة، هل ترى من أفق سيفتح أمام الشباب الجزائري الذي يعيش حالة إحباط؟

أن تكون في الجزائر الآن شابا، فهذه نقمة وليس نعمة. ولذلك يتفشي الشعور بـ"الحقرة"(المهانة) وفقدان الأمل ومحاولات الهروب نحو مظاهر التجارة غير الشرعية أو المخدرات أو الهجرة غير الشرعية (يطلق عليها في الجزائر ظاهرة الحَرَاقة)، كل هذه المظاهر دليل على حالة يأس وإخفاق نظام سياسي في توفير ظروف الحياة الكريمة لمواطنيه، في بلد يتوفر على موارد ضخمة من الطاقة، وبإمكانه من الناحية البشرية أن ينجز الكثير.

فبدل إيجاد حلول للشباب، تُقدم لهم قروض ميسّرة وأحيانا تتخلى الدولة عن استرجاعها، في محاولة لشراء السلم الاجتماعي، لكن النهج المتبع قصد شراء السلم الاجتماعي، يؤدي إلى تزايد المطالب والسعي للحصول على مزيد من الامتيازات المادية، إلى أن يعجز النظام عن تلبية تلك المطالب فينهار، وبالتالي، لسنا بصدد حل مشاكل الشباب بل إلى القيام بمسكنات.

وإذا أردنا أن نحل مشاكل الشباب، فعلينا أن نجعله يستعيد حلمه. لأن الخطر الكبير يكمن في فقدان الشباب حلمه، آنذاك ينتج عنه الفراغ. وبرأيي، فان أول شرط لعودة الحلم للشباب الجزائري، هو أن يشعروا بأن الانتخابات جرت بنزاهة وشفافية و( بطريقة) معبّرة عن إرادة الشعب، ومن هذا المنطلق يمكن للأمل الذي راح منذ عقود طويلة، أن يعود ولو تدريجيا. وبدون الأمل والحلم لا يمكن لأي بلد أن تقوم له قائمة.

أجرى الحوار منصف السليمي

الكاتب: أجرى الحوار منصف السليمي

المحرر: ملهم الملائكة

المزيد من Deutsche Welle

image beaconimage beaconimage beacon