أنت تستخدم إصدار مستعرض قديمًا. الرجاء استخدام إصدار معتمد للحصول على أفضل تجربة MSN.

نجولو كانتي.. «من يغطي الأرض ويحبه الناس؟»

شعار قل ودل قل ودل 28/08/42 عبدالرحمن نصار

في كرة القدم يحتد التنافس عادةً بين الخصوم، الأمر الذي يصل أحيانًا إلى الكراهية بين المتنافسين، إلا أن قلة لم تمنعهم هذه الظروف الصعبة من اجتذاب الجميع لصفهم، دون أن يحتاجوا إلى تغيير شعار الفريق الخاص بهم، ربما تعتبر هذه هبة إلهية لأشخاص معدودين، لكن بالتأكيد هنالك خطوات يتبعها الفرد ‑لاإراديًا- تصل به في النهاية إلى أن يكون محبوب الجماهير، بكافة انتماءاتها.

انتهى موسم 2015/2016 بتتويج ليستر سيتي بالدوري الإنجليزي الممتاز، في سابقة تاريخية بعمر ذلك النادي الذي يمتد لأكثر من 130 عامًا، ما جعل ذلك الجيل الذي ضّم بين صفوفه المهاجم الإنجليزي جيمي فاردي، وجناح منتخب الجزائر ومانشيستر سيتي ‑حاليا- رياض محرز، يحصل على مساحة عظيمة من الثناء والإشادة برحلتهم العبقرية، وكيفية قيادة الإيطالي «كلاوديو رانييري» لهم وصولا إلى ذلك الحلم المستحيل، نظرًا للفوارق الفنيّة والمادية بينهم وبين المنافسين.

أثناء محاولة تفسير أسباب نجاح هذه المهمة، لم يتوان المدرّب الإيطالي عن تعريف الجمهور بجنديه المجهول «نجولو كانتي»، الذي حتى وإن لم تلتقط الكاميرات وحتى الإحصائيات دوره كارتكاز مثالي خلال الموسم، إلا أنه كان القطعة التي لا يمكن للفريق أن يستغنى عنها.

فقد صرح رانييري عن أفضل لاعبي فريقه ‑من وجهة نظره-.. «إنه نجولو كانتي دون شك، إنه يركُض بمنتهى القوة، بلا تعب، أحيانًا كنت أشعر بأنه يخفي بطاريات داخل ملابسه».

ويكمل.. «ذات مرة، أخبرته بأنه في يوم من الأيام قد يرسل عرضية، ويركض سريعا ليسجلها بنفسه، إنه لا يصدق».

في الواقع، أصبح دور كانتي داخل الملعب بالوقت الحالي مفهومًا ومقدرًا أكثر من ذي قبل، بفضل التقدُّم الكبير الذي شهده مجال التحليل البياني والإحصائي، الذي يوضِّح للنقاد والجماهير ما لا تشرحه عدسات الكاميرات، لكن الأهم أنه ومنذ الوهلة الأولى لم ينل كانتي ثناء الجميع بسبب مؤهلاته الفنية وحسب، فكثُرٌ هم من يملكون نفس الخواص، إذن لماذا نحب كانتي، حتى وإن كنا لسنا مشجعين لنادي ليستر، أو حتى تشيلسي ‑ناديه الحالي.

لأننا نحب الحكايات

ولد نجولو سنة 1991 بإحدى ضواحي فرنسا، لأسرة مهاجرة فقيرة مكونة من والد ووالدة و4 أبناء، لكن القدر قرر أن يحرم العائلة من الأب حين بلغ نجولو عامه الـ11، ما ألقى عبء تربية الأبناء على الأم وحدها. آنذاك، شعر كانتي بأنه يجب أن يتحمل المسؤولية، فساعد والدته التي كانت تعمل كخادمة داخل البيوت، عبر العمل في جمع القمامة وإرسالها لمصانع متخصصة في إعادة تدويرها، ثم انتقل بعد ذلك للعمل كبائع لقصب السُكر.

تعلّم كانتي من عمله بسن صغير ضرورة السعي، وبذل الجهد من أجل النجاة، وربما انعكس ذلك على أدائه داخل الملعب، حيث لا يتوقف عن الركض إلا نادرًا، فقد كان يفعل ذلك بالسابق أيضًا، يتجول بين الشوارع باحثًا عن المخلفات التي يمكن أن يعاد تدويرها، لكن الفارق ربما، أنه كان في السابق يفعل ذلك ليتأكد بأنه سيحصل على وجبة العشاء وحسب، ولأننا نحب قصص الكفاح، أحببنا نجولو، والمفارقة هي أنه كان من الممكن ألّا يتم قصّ مثل تلك الحكايات إذا لم تنتشله كرة القدم من هذه الحياة الصعبة.

لأنه لا يقول لا أبدًا

عقب تتويج منتخب فرنسا بكأس العالم 2018 الذي أقيم بروسيا، وعقب عودة البعثة المتوجة إلى الأراضي الفرنسية للاحتفال بالتتويج رفقة الجماهير التي انتظرت 20 عامًا لتكرار هذا الاحتفال، لم يستطع نجولو أن يرفض طلب أحد المشجعين بحمل كأس العالم لثوانٍ، فمنحه إياه بعفوية منقطعة النظير، ربما يبدو التصرُّف غريبًا، لكن هذا هو كانتي، لا يرفض أي شيء على الإطلاق.

يمكننا أن نفترض أن بداية الدولي الفرنسي الصعبة مع كرة القدم كانت السبب في عدم رفضه لأي طلب، لأنه كان ينتظر أن يمنحه أي إنسان فرصة لكي يعبر عن نفسه، كذلك يريد أن يفعل مع الآخرين.

بدأ كانتي كرة القدم الاحترافية بسن كبير مقارنةً بمعظم لاعبي أوروبا، فقد ظلّ حتى عمر الـ19 يلعب كهاوٍ لفريق «سورسنيه» الفرنسي، إلى أن التحق بفريق بولونيا الفرنسي الناشط بالدرجة الثالثة، ليلعب أول مبارياته كمحترف بآخر جولات موسم 2012.

يخبرنا «بيير فييا»، مدرب كانتي بفريق «سورسنيه» بأن كل من تعامل معه كان دائمًا يشعر بأنه أخ أصغر، لأنه كان ذكيًا ومطيعًا للغاية، ولا يتحدث كثيرًا كأي ناشئ يشعر بموهبته.

وأضاف.. «عندما كان يحصُل على تعليمات محددة، كان يجيب بنعم وفقط، لكنه كذلك كان سريع الاستيعاب، يوافق ثم يطبّق ما يطلب منه بدقة كبيرة».

لأنه صديق للجميع

كانتي شخص ودود للغاية، يتعامل مع الجميع على سجيته، لا يزن الأمور بميزان النجم المشهور، هذا ما ورد على لسان «بودلار رحمن» مشجع أرسنال الذي قابله لمرة واحدة بالعام 2018.

كان كانتي قد فاته موعد انطلاق القطار الذي سينقله إلى باريس بعد انتهاء مباراة الفريق أمام كارديف، فقرر أن يذهب إلى مسجد حيث قابل رحمن الذي عرض عليه أن يتناولا العشاء سويًا داخل منزله.

يقول بودلار.. «توقعت أن يرفض كانتي طلبي بطريقة مهذبة، لكنه على الرغم من كونه لاعب لتشيلسي وافق، بل رافقني إلى منزلي حيث تناولنا العشاء ولعبنا ألعاب الفيديو، لقد كانت أمسية رائعة مع شخص رائع».

لأنه لا يتغير

حين تعاقد اللاعب مع ليستر سيتي الإنجليزي، تتضاعف الراتب الذي يتقاضاه بكل تأكيد، إلا أن ذلك لم يجعل منه شخصًا أكثر تدليلا، فطبقًا لدانيل تايلور، صحفي جارديان، لم يكن يشعر كانتي بأنه في حاجة إلى أن يشتري سيّارة جديدة، بل فضّل أن يذهب إلى التدريبات ركضًا، إلا أن المسؤولين أقنعوه بصعوبة أن هذا لا يمكن أن يحدث، لأنه لاعب في البريمييرليج.

حتى بعد انتقاله لتشيلسي، والضجة المصاحبة لذلك باعتباره حاملا للقب البريمييرليغ قبل عام واحد، شوهد كانتي مستقلا سيارته الـ«ميني كوبر» المستعملة، بعد تعرضه لحادث سير أحدث بها بعض التلفيات، لكنه رأى بأنه ليس في حاجة لأن يبتاع أخرى جديدة، لأنها تفي بالغرض وهو نقله لمقر التدريبات.

يمتلك كانتي وجهة نظر في ذلك، فحسبما صرح لجريدة «دايلي ميرور»، تعليقًا على تواضعه وابتسامته التي لم تفارق وجهه منذ ظهوره الأول، بأنه كان محظوظا للغاية لأنه يلعب كرة القدم، بل إنه يرى بأن توفير كرة القدم للمال الذي أعانه على الاستمرار بحياة كريمة هبة عظيمة من الله، لأن هنالك الملايين من البشر الذين طمحوا في أن يجنوا أموالا عبر مسيرة متعلقة بالشيء الذي أحبوه، لكن قلة فقط من حصلوا على هذه الفرصة.

لذلك لا يرى كانتي بأنه يجب أن يتغير، أو يستبدل ابتسامته وتواضعه بأشياء أخرى تتواكب مع موقعه كأحد أشهر لاعبي كرة القدم بالعالم، لكن عوضًا عن ذلك، يجب أن يعطي كل ما يمتلك داخل الملعب، أما خارجه، فهو «نجولو»، صاحب الرحلة التي أحبها الجميع.

المزيد من ما قل و دل

image beaconimage beaconimage beacon