أنت تستخدم إصدار مستعرض قديمًا. الرجاء استخدام إصدار معتمد للحصول على أفضل تجربة MSN.

أقومك أم أتركك تتسكع في طمتك

شعار Alwatan Alwatan 13/01/44 عبدالرزاق-الصاعدي

استعرتُ هذا العنوان من كلمة لأبي عمرو بن العلاء، رواها أبو بكر الزُّبيدي في طبقات النحويين واللغويين، قال: حدثني أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي، قال: سمع أبو عمرو بن العلاء رجلًا ينشد قول المرقّش:

فمن يَلْقَ خَيْرًا يحمدِ الناسُ أمرَه *** ومن يَغْوَ لا يعدمْ على الغَيِّ لائما

فقال له: أقوِّمُك أم أترُكُك تتسكّع في طُمَّتِك؟، فقال: بل قوِّمني. فقال: قل: ومن يَغْوِ، بكسر الواو، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وعصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)؟ انتهى.

يريد أبو عمرو أنّ الماضي: غَوَى، والمضارع: يَغْوِي، فهو من باب: رَمَى يَرْمِي وبَكَى يَبْكِي، وأما غَوِي يغوَى فمعناه غير هذا، تقول العرب: غَوِيَ الفصيلُ يَغْوَى؛ إذا بَشِم عن اللّبَن عند الإِكثار والازدياد منه، فهو من باب فَرِح يفرَح. قال الشاعر:

مُعَطَّفّة الأثناءِ ليسَ فصيلُها *** برازِئِها درّاً ولا مَيِّتٍ غَوَى

وروى القفطي في إنباه الرواة تصويب أبي عمرو، وقال في تفسير الغريب: تتسكّع؛ أي: تتلوّث. والطُّمّة: الخُرأة، أكرمكم الله.

نعم، وكان لأهل اللغة عناية فائقة بالعربية ولهجاتها، يلتقطونها من أفواه الأعراب، ويسعون إلى تنقيتها مما يصيبها من كلام العامة والمولّدين الذين يُسرع الفساد إلى ألسنتهم، وصنّفوا في الفصيح ولحن العامّة والأخطاء الشائعة في كلام الناس في زمانهم، وكان غرضهم الإصلاح وتنقية اللغة مما يشوبها، في الألفاظ والأساليب والدلالة، فمنهم من ذكر ما لا يكاد يُستعمل، ومنهم من ردّ ما لا يصلح ردّه، كما قال ابن الجوزي في تقويم اللسان، وهم في الجملة فريقان: فريق معياريّ مترصّد متشدّد في مقياس الصواب اللغوي، لا يكاد يرى إلا الفصحى، وفريق وصفيّ متسامح يراعي اختلاف لغات القبائل، فنرى في بعض مصنفاتهم دفاعًا عن العامّة في بعض ما نُسب إليهم، فهذا مكي الصقلّي في تثقيف اللسان يذكر ما يجوز مما أُخذ على العامة وإن كان غيره أفصح منه، لأن إنكار الجائز غلط، كما يقول.

وكان الأصمعي من الفريق الأول، وجاء عنه في التهذيب للأزهري أن أبا حاتم رَوَى في كتابه في المُزال والمُفسَد عن الأصمعيّ أن العرب تقول: استوجَب ذاكَ واستحقَّه، ولا تقول: اسْتَأَهلْه، ولا أنت تَسْتَأهِل، ولكن يُقال: هو أَهلُ ذاك وأهلٌ لذاك، وقال بقول الأصمعي المازنيُّ فيما روي عنه وابنُ قتيبة في أدب الكاتب، ولم ينكره أبو منصور الأزهري؛ لأنه سمعه من بعض القبائل، قال: وأمّا أنا فلا أنكرُهُ، ولا أُخطِّئ من قاله، لأنِّي سمعتُه.

وقد سمعتُ أعرابِيًا فصيحًا من بني أسَد يَقُول لرجُل أُولِيَ كَرامَةً: أَنْت تستأهل ما أُوْلِيتَ، وذلكَ بحَضْرَة جماعةٍ من الأعراب، فما أنكروا قوله، ويحقِّق ذلك قولُ الله جلّ وعزّ: {الله هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وأَهْلُ}، ولم يزل هذا المعنى للفعل استاهل، وما تصرف منه شائعًا في لهجات المنبعيين في بلادنا إلى اليوم.

ومن ذلك دفاع مكي الصقلّيّ عن العامّة في قولهم مُعَوَّج، قال: قولهم: مُعَوَّجٌ، هو مما ينكر عليهم، وقد أنكره الأصمعي، وهو جائز، يقال: مُعْوَجٌّ، وقيل: مِعْوَجٌّ، بكسر الميم. ومُعَوَّج، أجازه أكثر العلماء، وأنشدوا للباهلي:

فمَنْ رامَ تَقْوِيمي فإنّي مُقَوَّمٌ *** ومَنْ رامَ تَعْوِيجي فإنّي مُعَوَّجٌ

وأقول: أنا لا أروّج لكلام العامة، ولا أسوّغ أوهامهم وأغاليطهم وتحريفاتهم، فالتنبيه على لحنهم وأغاليطهم والتصدي لها واجب لغويّ وحق للغتنا علينا، ولكنني لست من المتشدّدين ولن أكون منهم، وأرى أنّ كل ما شاع على ألسنة العامة وكان له وجه في القياس أو سمع في لغة من اللغات أو وُجد له نظير يمكن الحمل عليه فهو عندي مقبول.

ففي فصحانا درجات: الأفصح والفصيح والشاذ والنادر والغريب، وينبغي ألا ترد لفظةٌ لشذوذها، ولا لغةٌ من اللغات في زمن الاحتجاج لتفرّد قوم بها، ولو وصفت بالضعف، وإن كان علماء العربية ورواة اللغة قد اجتهدوا في جمع الأفصح وروايته فإن الفصيح من كلام العرب أوسع من أن يحاط به، وهو لغات القبائل، وقد فاتهم منها الكثير، وتراث العربية أوسع مما وضع له من رسوم، ومن لغاتهم التي لا نكاد نعرفها اجتماع الهمزتين في بناء فعائل.

وقد روى عنهم ابن جني في المنصف والخصائص أنهم يقولون: غفر الله خطائئه، جمع خطيئة، ويقولون في جمع دريئة: درائئ، وفي جمع لَفِيئة: لفائئ، فهذه لغة لا سبيل إلى ردها وإن كان غيرُها أفصحَ منها، فالردّ شيء والتفاضل بين مستويات اللغة شيء آخر، ومن ذلك أن الأفصح في واحدة الكلى: كُلْية، بالياء، وردّ أبو بكر قولهم: كُلوة، بالواو وضم الكاف، مع أنها لغة ثابتة عن العرب كما جاء في المعاجم، ولم تزل جارية على ألسنة الناس في بلاد المنبع السعودية إلى اليوم، ولا وجه لردّها.

وفي إنكار المنكرين لما له وجه تحجيرٌ لواسع وتغليط لبعض العرب في زمن الاحتجاج اللغوي، وقد صُنّفتْ في كلام العامة عشرات المصنفات قاربت المئة، أجاد بعضهم فيها وأنصف، وتعسَّفَ بعضهم وأَنْحَى على الناس بالإِغلاظ، وخَطَّأَهُم فيما لهم فيه لغتان أو أكثر، وقبلهم أدرك أبو عمرو بن العلاء بعد أن علت به السنّ وبلغ مبلغا من النضج والفطنة أن التغليط والتعنيت غلط، فتركهما، وسئل ذات يوم: أخبرني عما وضعت مما سمّيته عربية، أيدخل فيها كلام العرب كله؟ فقال: لا، فقيل له: كيف تصنع فيما خالفتْك فيه العربُ وهو حجة؟ فقال: أعمل على الأكثر وأسمّي ما خالفني لغات.

المزيد من Alwatan

image beaconimage beaconimage beacon