بينما يعود العالم للحياة بحذر من جائحة كورونا، يواصل الفريق السعودي الفرنسي للتنقيب في «موقع دادان» بمحافظة العلا أعماله العلمية والتي تشتمل على استكمال التحاليل اللازمة لاستخلاص النتائج من الموسم الأول للتنقيب الذي جرى في شهري فبراير ومارس من العام 2020، وكذلك الاستعداد للعودة للعمل لاستكمال الأهداف الموضوعة للمشروع والذي سيمتد لعام 2024، في محاولة لكشف أسرار مملكتي دادان ولحيان. ويعتبر هذا المشروع واحدًا من المشاريع التي تمثل بشكل واضح الشراكة المحلية والدولية التي تعقدها الهيئة الملكية لمحافظة العلا، حيث تتشارك مع جامعة الملك سعود والمركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية والمركز الفرنسي لتطوير العلا.

وأشار الدكتور عبدالرحمن السحيباني مستشار الآثار والتراث الثقافي في الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمشرف المشارك على هذا المشروع، أنه وعلى الرغم من تأثير جائحة كورونا على أعمال الموسم الأول للتنقيب الذي أجبر الفريق على اختصار مدة التنقيب إلى ما دون الشهر، إلا أن الفريق بدأ بداية مشجعة وملهمة للمستقبل، إذ شارك في أعمال التنقيب ما يفوق 20 مختصًا سعوديًا وغير سعودي، ساهموا جميعًا في التنقيب وتدريب 24 طالباً من طلاب جامعة الملك سعود على أحدث التقنيات المستخدمة في التنقيب عن الآثار، وفي هذا تحقيق لأحد أهم أهداف رؤية 2030 التي تؤكد على ضرورة نقل وتوطين المعرفة.

العثور على 1949 قطعة أثرية

تم التنقيب في الموسم الأول في أربع مناطق من موقع دادان بمساحة تصل إلى حوالى 1800 متر مربع تم من خلالها العثور على قرابة 1949 قطعة أثرية، كما تم دراسة وتصنيف ما يزيد عن 16 كسرة فخارية تم العثور عليها خلال التنقيب. وتم اختيار هذه المناطق الأربع بناء على أهداف علمية رئيسة للمشروع، فالمنطقة الأولى تسمى الحصن الإسلامي والذي يقع في الطرف الشمالي من الموقع، وهو المكان الذي سبق التنقيب فيه لمدة سنتين، حيث ظهر جزء من السور الجنوبي والبوابة الجنوبية بالإضافة لبعض الأبراج. ويستهدف التنقيب في هذه المنطقة محاولة التأكد من وظيفة هذا المبنى وتاريخه بالتحديد إضافة إلى العلاقة بينه وبين الفترات التي سبقته.

أما المنطقة الثانية فهي المركز الرئيس للموقع المتمثل في الحرم الديني الذي نقبت فيه جامعة الملك سعود لمدة 13 سنة بهدف محاولة إيضاح التسلسل الطبقي بشكل واضح، إضافة إلى محاولة فهم العلاقة بين البئر والحوض ومحاولة إعادة توثيق الظواهر المعمارية للمنطقة المكتشفة مسبقاً.

فيما كانت المنطقة الثالثة الواقعة إلى الجنوب الشرقي من المنطقة الثانية واحدة من المناطق التي يتم التنقيب فيها لأول مرة، وكان الهدف منها محاولة الخروج من المنطقة الدينية والوصول لمناطق أخرى تكشف عن ملامح مهمة من حياة الدادانيين واللحيانيين. أما المنطقة الرابعة فهي منطقة المقابر المحاذية للجبل ويهدف التنقيب فيها أيضاً لمحاولة فهم الممارسات الجنائزية في تلك الفترة ومدى العلاقة بينها وبين موقع دادان، كذلك محاولة لجمع مزيد من المعلومات حول الممارسات الدينية.

​تطوير القدرات السعودية الشابة

إضافة إلى ذلك، فقد قام الفريق بمسح ممنهج للجبل المحاذي للموقع من الشرق المعروف باسم جبل الخريبة، والذي تم من خلاله مسح قرابة 22 هكتارًا تم من خلاله تسجيل 340 ظاهرة أثرية.

جدير بالذكر أن لهذا المشروع قيما عديدة يسعى لتحقيقها ومن أهمها إظهار مدى التزام الهيئة الملكية لمحافظة العلا بالمحافظة على التراث الإنساني الذي حبا الله به العلا، وذلك من خلال الكشف عنه وترميمه وحفظه وفق أعلى وأفضل الممارسات الدولية والعالمية ومن ثم مشاركته مع العالم أجمع لإيضاح ما تكتنزه المملكة من عمق ضارب في جذور التاريخ، كذلك يحرص المشروع وبشكل واضح على بناء المعرفة المحلية من خلال تدريب الجيل المقبل على مثل هذه الممارسات، وهذا يتمثل بشكل واضح على تطوير القدرات السعودية الشابة في مجال الآثار ونقل المعرفة العالمية، عبر تدريب طلاب وطالبات قسم الآثار بجامعة الملك سعود في هذا المشروع.